يرى ليران فريدمان، في تحليل تاريخي، أن تحذير الحوثيين لمصر من التدخل العسكري في اليمن يستند إلى تجربة مريرة عاشتها القاهرة قبل أكثر من ستة عقود، حين استنزفت الحرب قواتها المسلحة ومواردها المالية، قبل هزيمتها أمام إسرائيل في حرب يونيو 1967.
ويشير الكاتب إلى أن تلك الحرب لم تقتصر آثارها على إنهاك الجيش المصري، بل امتدت إلى حسابات إسرائيل الإقليمية، التي ساعدت سرًا القوات الملكية المناهضة للجمهوريين في اليمن، لإبقاء مصر غارقة في صراع بعيد عن سيناء.
وفي تقرير نشره موقع يديعوت أحرونوت الإسرائيلي، يوضح فريدمان أن استدعاء الحوثيين لهذه التجربة يأتي في وقت تدرس فيه القاهرة إرسال قوات للدفاع عن السعودية. ويحمل التحذير رسالة واضحة إلى مصر مفادها أن التدخل الذي يبدو محدودًا في بدايته قد يتحول إلى التزام عسكري يصعب الانسحاب منه، ويستهلك الجنود والأموال والنفوذ السياسي، من دون ضمان تحقيق الأهداف المعلنة.
انتصار سريع لم يتحقق.. كيف تحولت حرب اليمن إلى استنزاف للجيش المصري؟
بدأت القصة في 26 سبتمبر 1962، عندما أطاح ضباط بقيادة عبد الله السلال بالإمام محمد البدر، وأعلنوا قيام الجمهورية في شمال اليمن. لكن الثورة واجهت مشكلة فورية، إذ لم يُقتل الإمام المخلوع، بل تمكن من الفرار إلى الجبال، وحشد القبائل الموالية له، وبدأ مقاومة النظام الجمهوري الجديد.
لجأ الجمهوريون إلى جمال عبد الناصر طلبًا للمساعدة. ورأى عبد الناصر في التدخل فرصة لاستعادة مكانة مصر القيادية في العالم العربي، بعد انسحاب سوريا من الوحدة مع مصر في العام السابق. كما اعتقد أن قيام جمهورية حليفة في شبه الجزيرة العربية من شأنه تحدي النظام الملكي المحافظ في السعودية.
في المقابل، دعمت الرياض الملكيين، فتحولت اليمن إلى ساحة صراع بين قوتين عربيتين متنافستين. وتبدو المفارقة التاريخية لافتة، إذ تدرس مصر اليوم الدفاع عن الدولة التي أسهمت في إفشال تدخلها العسكري السابق في اليمن.
توقع مستشارو عبد الناصر أن تتولى قوة صغيرة حسم المعركة سريعًا، لكن الواقع جاء مختلفًا. فبعد أن أرسلت القاهرة بضع مئات من قوات الصاعقة في أكتوبر 1962، ارتفع عدد القوات المصرية إلى نحو 70 ألف جندي بحلول صيف 1965.
استمر إرسال التعزيزات، لكن النصر لم يتحقق. وكان الانسحاب يهدد مكانة عبد الناصر، بينما تطلب البقاء مزيدًا من الجنود والأموال. وهكذا تحولت اليمن إلى حرب لم تستطع مصر حسمها، ولم يكن بوسعها التخلي عنها بسهولة.
امتلك الجيش المصري الطائرات والدبابات والمدفعية، لكن خصومه استفادوا من الطبيعة الجبلية الوعرة، ومعرفتهم الدقيقة بالتضاريس، وقدرتهم على تجنب المعارك التقليدية التي أرادت القوات المصرية خوضها. ووصف قادة عسكريون مصريون سابقون عدوًا يظهر ويختفي، بينما تستهلك قواتهم كميات هائلة من الذخيرة.
وكتب وزير الدفاع المصري الأسبق محمد فوزي أن تضاريس اليمن ابتلعت القوة النارية المصرية، في اعتراف بالفجوة بين قصف بلد والسيطرة الفعلية على أراضيه.
قُتل آلاف الجنود المصريين خلال الحرب، رغم اختلاف التقديرات بشأن العدد. ولم تقتصر الخسائر الاقتصادية على تكلفة إمداد القوات، بل أثرت الحرب أيضًا في قدرة القاهرة على الحصول على مساعدات مالية خارجية. ففي نوفمبر 1964، أوضح مسؤولون أمريكيون أن قرضًا مقترحًا تعطل جزئيًا بسبب صعوبة ضمان عدم استخدام المساعدات الأمريكية في تمويل الوجود المصري في اليمن.
ولم تقتصر وحشية الحرب على الخسائر المصرية؛ إذ استخدمت القوات المصرية الغاز السام في اليمن أيضًا. وسجلت مذكرة رُفعت إلى الرئيس الأمريكي ليندون جونسون في مايو 1967 وقوع هجمات مصرية أخرى بالغاز، في مؤشر إلى مدى تصاعد الصراع بعيدًا عن التدخل المحدود الذي بدأ عام 1962.
كيف ساعدت إسرائيل خصوم مصر سرًا قبل حرب يونيو 1967؟
يرى المؤرخان يوجين روجان وتوفيق أكليمندوس أن التدخل المصري في اليمن استنزف قدرات مصر على خوض حرب أخرى. فقد انشغلت القوات والموارد بجبهة بعيدة عن سيناء، بينما دفعت سنوات من الدعاية الرسمية التي تحدثت عن الانتصارات في اليمن بعض القيادات المصرية إلى المبالغة في تقدير قدرات الجيش.
وظهر التنافس بين الجبهتين بوضوح مع تصاعد الأزمة في مايو 1967. فقد سجلت برقية دبلوماسية أمريكية مؤرخة في 25 مايو تقريرًا إسرائيليًا يفيد بأن مصر أمرت بنقل لواء مدرع من اليمن لتعزيز قواتها في سيناء. وكانت القاهرة تستعد لمواجهة مع إسرائيل، بينما لا تزال ملتزمة بحرب على الجانب الآخر من البحر الأحمر.
لكن إسرائيل لم تكتفِ بمراقبة استنزاف الجيش المصري. فمنذ عام 1964، نفذت طائرات نقل إسرائيلية سرًا عمليات إسقاط أسلحة وذخائر وإمدادات طبية للملكيين اليمنيين، بالتعاون مع مرتزقة بريطانيين. ووثق المؤرخ يوجيف إلباز 14 رحلة جوية من هذا النوع على مدار عامين.
وفي واحدة من أقل حلقات الصراع شهرة، ساعدت إسرائيل المقاتلين الذين دعمتهم السعودية في مواجهة الجيش المصري، لتُبقي الضغط على خصمها الإقليمي الرئيسي بعيدًا عن حدودها.
ويذهب المؤرخ جيسي فيريس، في كتابه «مغامرة عبد الناصر»، إلى أن حرب اليمن ألحقت أضرارًا بالاقتصاد المصري، وسممت علاقات القاهرة بالقوى الكبرى، وأضعفت مكانة عبد الناصر في العالم العربي. ويرى أن هذه الضغوط أسهمت في دفع القيادة المصرية نحو حسابات خاطئة انتهت بالحرب مع إسرائيل.
وبهذا المعنى، لم تكن اليمن مجرد ساحة استنزفت القوة المصرية، بل كانت عاملًا ساهم في تشكيل الأزمة التي اختُبرت خلالها تلك القوة.
ومع ذلك، يحذر التقرير من اختزال الهزيمة المصرية في حرب يونيو 1967 في التدخل اليمني وحده. فقد اعترض المؤرخ آشر أوركابي على المحاولات التي تمنح الحرب دورًا حاسمًا في تفسير الهزيمة، مشيرًا إلى أهمية العوامل الأخرى، ومنها تسييس القيادة العسكرية المصرية والأخطاء الاستراتيجية التي ارتكبها عبد الناصر.
وحتى روجان وأكليمندوس، اللذان يشددان على الأثر السلبي لحرب اليمن، يحذران من الادعاء بأن مصر خسرت حرب يونيو فعليًا في اليمن.
تحذير الحوثيين لمصر.. الخطر الحقيقي في صعوبة الانسحاب من الحرب
عقب الهزيمة، سحب عبد الناصر القوات المصرية من اليمن عام 1967، لكن الحرب الأهلية اليمنية استمرت حتى عام 1970. واستهلك التدخل الجنود والأموال والنفوذ الدبلوماسي، من دون أن يحقق الانتصار الإقليمي الذي سعى إليه الرئيس المصري. وبدلًا من إثبات قوة مصر، أسهمت الحملة في كشف حدود تلك القوة.
لكن الظروف الحالية تختلف عن تلك التي أحاطت بالتدخل المصري في ستينيات القرن الماضي. فالمهمة المطروحة اليوم، وفقًا للتقارير، تتمثل في الدفاع عن الأراضي السعودية، مع التركيز على الدفاعات الجوية والدعم اللوجستي، لا شن حملة برية مصرية داخل اليمن.
كما شاركت مصر بقوات جوية وبحرية في التحالف الذي قادته السعودية عام 2015. ويختلف الحوثيون أيضًا عن الخصوم الذين واجههم عبد الناصر؛ إذ خاض الجيش المصري آنذاك حربًا ضد ملكيين يدافعون عن نظام ملكي أُطيح به.
لذلك، فإن اعتبار التحرك المصري المحتمل تكرارًا مباشرًا لتدخل عام 1962 يتجاهل اختلاف السياقات والأهداف وطبيعة العمليات العسكرية.
غير أن تحذير الحوثيين يستند إلى احتمال آخر: حتى التدخل المحدود قد يعرض القوات المصرية للهجمات، ويخلق ضغوطًا تدفع القاهرة إلى توسيع مشاركتها العسكرية تدريجيًا.
وتكمن المسألة الأساسية التي يطرحها التاريخ في أن إرسال القوات ليس التحدي الوحيد؛ بل إن التحدي الأكبر يتمثل في قدرة الدولة على التحكم في مسار الأحداث بعد وصول جنودها إلى ساحة الصراع.
لقد أدرك عبد الناصر أن دخول الحرب يختلف كثيرًا عن القدرة على تحديد نهايتها. وبينما تدرس القاهرة خياراتها الحالية، تعيد تجربة اليمن طرح السؤال نفسه: هل تستطيع مصر حصر أي تدخل في أهداف محددة، أم يمكن أن تجد نفسها أمام حرب تستنزف مواردها وتفرض عليها الاستمرار حتى عندما تصبح كلفة الانسحاب أقل من كلفة البقاء؟
https://www.ynetnews.com/magazine/article/hysmh5e3zl

